المقريزي

450

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

فوصل سلمان إلى برصا دار ملك أبيه ، وحمل ما قدر عليه من المال والحريم ، وركب البحر إلى أدرنة ، فتلاحق به جمع كبير من النّاس . وكان تيمور بعث شيخ نور الدّين إلى برصا على عسكر ، ثم تبعهم فدخلها وأخذ ما وصلت إليه قدرته من الأموال والحرم ، وخلع على أمراء التّبار المذكورين وفرقهم على أمرائه ، وسبى وأسر وقتل ونهب هو وعساكره . وصار يوقف أبا يزيد ويسخر منه ويبكّته . ثم جلس لمعاقرة الخمر في أعيان دولته وطلب أبا يزيد طلبا مزعجا فجاء يرسف في قيوده ، وهو يرجف ظنا منه أنه يقتل فلما رآه تيمور أمره فجلس وأخذ يحادثه ويؤنسه ، ثم سقته جواريه وحظاياه اللاتي أخذهن تيمور ، فازداد كمده وتضاعف همّه ، وإنما أراد تيمور نكايته بذلك . ثم أمر به فأعيد إلى مكانه ، بعد أن أخرج تيمور محمدا وعليا ابنا علاء الدّين ابن قرمان وخلع عليهما وولاهما بلاد قرمان نكاية في أبي يزيد ، فإنه كان قتل أباهما علاء الدّين وسجن ولديه المذكورين حتى أخرجهما تيمور لما ملك برصا . ثم سار تيمور من برصا ومعه أبو يزيد في قفص من حديد ، وفي رجليه قيد ثقيل ليصل به إلى سمرقند ، فمات في القفص على مدينة آق‌شهر من بلاد الرّوم . وأقاموا ستة أشهر يفسدون في الأرض ولا يصلحون . وقد عدّى الأمير سلمان إلى برّ قسطنطنية ، ومات أبو يزيد في الأسر لأيام من ذي القعدة سنة خمس وثماني مائة . فكان مدة تملكه بعد أبيه تسع سنين . ولم يتلقب هو ولا أحد من آبائه بلقب ولا دعي بملك ولا سلطان ، بل كان يقال له الأمير ، وإذا بالغوا في تعظيمه قالوا خوندكار . وكان أبو يزيد شجاعا عجولا كثير الحركة ، بحيث إذا تكلّم في صدر مجلسه لا يزال يتحرّك حتى يصل إلى طرف المجلس ، إلا أنه كان